مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )
254
تفسير مقتنيات الدرر
[ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 117 ] مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِه ِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْه ُ وَما ظَلَمَهُمُ اللَّه ُ وَلكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ( 117 ) بيان لكيفيّة عدم إغناء إنفاق الكفرة أموالهم قربة أو رياء أو مفاخرة أو خوفا كالمنافقين بأيّ قسم كان . والمراد تشبيه ما أنفقوا في عدم نفعه بحرث أصابته ريح شديدة البرد مهلكة للزرع أي كما أنّ الزرع تهلكه تلك الريح الباردة كذلك الكفر يذهب فائدة الإنفاق « والصرّ » البرد الشديد وإنّه في الأصل مصدر لكن شاع إطلاقه على الريح الباردة كالصرصرَأَهْلَكَتْه ُ ] عقوبة لهم ولا تدع منه أثرا لأنّ الكفر مانع من الانتفاع حيث لا يقبل اللَّه منهم أبدا فلا يبقى لهم في الآخرة إلَّا الحزن والأسف وهذا هو التشبيه المركّب الحاصل من الجملتين . َ ما ظَلَمَهُمُ اللَّه ُ ] في ضياع ما أنفقوا من الأموالَ لكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ] لما أنّهم أضاعوها فيما لا ينبغي كما أنفق أبو سفيان في عداوة النبيّ ، أو أضاعوها وأنفقوها لا على أمر ينبغي لأنّ إنفاقهم منتزع عن القربة لأنّ القربة لا يحصل مع الكفر وتقديم المفعول لرعاية الفواصل . قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله : لا تزول قدم عبد يوم القيامة حتّى يسأل عن أربع : عن عمره فيم أفناه وعن جسده فيم أبلاه وعن علمه ما عمل فيه وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه . قال النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله : يا عائشة إن أردت اللحوق بي فليكفك من الدنيا كزاد الراكب وإيّاك ومجالسة الأغنياء ولا تستخلقي ثوبا حتّى ترقعيه . وقال صلَّى اللَّه عليه وآله اللهمّ من أحبّني فارزقه العفاف والكفاف ومن أبغضني فأكثر ماله وولده ثمّ قرأ صلَّى اللَّه عليه وآله : « أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ » « 1 » قوله تعالى : [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 118 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا وَدُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ( 118 ) . لمّا شرح سبحانه أحوال المؤمنين والكافرين حذّر المؤمنين في هذه الآية عن مخالطة
--> ( 1 ) التكاثر : 1 .